← العودة إلى التعليق الصوتي رأي وتجربة في التعليق الصوتي

هل سيقتل الذكاء الاصطناعي التعليق الصوتي؟

هل سيقتل الذكاء الاصطناعي التعليق الصوتي؟ — رسم تعبيري

بدأت علاقتي بالتعليق الصوتي سنة 2003. في ذلك الوقت، لم يكن هذا المجال يحظى بالاهتمام الذي نراه اليوم. كان المعلّق يؤدي عمله وينتهي الأمر، وفي الغالب لا يعرف المشاهد حتى من صاحب الصوت الذي يسمعه.

مع أمودّو بدأت ألاحظ شيئاً مختلفاً.

كان من بين أول الأشياء التي تلفت انتباه المتابعين نبرة التعليق وطريقة الأداء. كان السؤال يتكرر: من صاحب هذا الصوت؟

بالنسبة إليّ، كان ذلك مثيراً للاهتمام، لأن الصوت الذي يفترض أن يرافق الصورة فقط أصبح أحياناً هو الذي يقود المشاهد إليها. يدخل المتابع من باب الصوت، ثم يكتشف الموضوع والصورة والمكان والحكاية.

ومع مرور السنوات، تغيرت أشياء كثيرة. ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي وانتشرت، وأصبح كل شخص تقريباً قادراً على تقديم نفسه وعرض موهبته. بدأنا نسمع أكثر عن التعليق الصوتي، وظهرت صفحات وقنوات ودورات للتكوين، ووجد كثير من الشباب في أصواتهم مجالاً يريدون احترافه.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي.

اليوم، يستطيع أي شخص أن يكتب بضعة أسطر، ويختار صوتاً، وبعد دقائق يحصل على تعليق صوتي. والصورة نفسها يمكن توليدها، والموسيقى، وأجزاء من المونتاج، وأشياء أخرى تتطور بسرعة يصعب أحياناً متابعتها.

فهل يجب أن يخاف المعلق الصوتي؟

جربت بنفسي التعليق المولد بالذكاء الاصطناعي أثناء العمل على أحد أفلام أمودّو. كان لدي عدد كبير من الأشخاص يتحدثون بالفرنسية، وكنت أحتاج إلى دبلجة حواراتهم إلى العربية. استعنت في البداية ببعض الأصدقاء، لكن كثرة المتحدثين جعلت الأمر صعباً، فقررت تجربة الذكاء الاصطناعي.

النتيجة لم تكن سيئة.

كانت هناك أخطاء في نطق بعض الكلمات وتشكيلها، وكنت أضطر إلى إعادة التوليد ثم تركيب المقاطع وحذف الأخطاء أثناء المونتاج. وبحكم اشتغالي بالصوت، كنت أسمع شيئاً إلكترونياً في النبرة.

لكن المفاجأة جاءت عندما أسمعت النتيجة لمنتج البرنامج.

سألني مباشرة:

«من سجّل هذا الصوت الجميل؟»

بل قال لي إنه يذكّره بصوت أحد المعلقين السابقين في أمودّو.

هذه التجربة جعلتني أفكر. إذا كنت أنا أسمع أثر الآلة، بينما شخص آخر يسمع صوتاً بشرياً جميلاً، فإلى أين يمكن أن تصل هذه التقنية بعد سنوات؟

لا أستهين أبداً بما يحدث. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة، ومن المحتمل أن تصبح أصواته أكثر إقناعاً، وقد يصل المستمع إلى مرحلة يصعب عليه فيها التمييز بين الإنسان والصوت المولد.

ومع ذلك، تبقى لدي مشكلة أساسية معه.

حين أقرأ تعليقاً في فيلم وثائقي صورته بنفسي، أدخل إلى الاستوديو ومعي أشياء لا توجد مكتوبة في النص.

أتذكر الطريق الذي قطعناه. أتذكر الإنسان الذي جلست أمامه. أتذكر تعبه ونظراته وطريقة كلامه. أتذكر الجبل والبرد والحر، والمواقف التي لم تدخل أصلاً في الفيلم. وقد أكون عشت مع فريق التصوير أياماً أو أسابيع حتى حصلنا على تلك الدقائق التي يشاهدها المتلقي.

كل هذا يدخل معي إلى الاستوديو.

لهذا فإن فهم النص بالنسبة لي يسبق قراءته. النص التاريخي له إحساسه، والنص الإنساني له إحساس آخر، والنص العلمي يحتاج أداء مختلفاً. ومع التجربة يتعلم المعلق أين يتوقف، وكيف يتنفس، ومتى يترك للجملة هدوءها، ومتى يضغط عليها.

قد يستطيع الذكاء الاصطناعي تقليد كل ذلك يوماً ما. يستطيع أن يتعلم أين يضع الوقفة، وأن يقلد الحزن والخوف والفرح. وربما يستطيع أن يفعل ذلك بطريقة تجعل المستمع يصدق تماماً ما يسمعه.

لكن هل يكفي أن نصدق الصوت؟

منذ نحو سنة، اتصل بي وسيط صيني كان يبحث لصالح إحدى الشركات عن مؤدٍ باللغة العربية. طلب مني تسجيل بعض المقاطع، فسجلتها وأرسلتها إليه، ثم أرسلها إلى الشركة.

بعد ذلك عاد واتصل بي بطلب غريب نوعاً ما.

الشركة تريد التأكد من أن الصوت الذي سمعته صوت إنسان حقيقي.

طلبوا مني أن أعيد التسجيل وأنا أصور نفسي، حتى يكون لديهم دليل على أن الشخص الذي أدى الصوت موجود فعلاً.

توقفت عند هذه الحادثة كثيراً. فهذه الشركة كان بإمكانها منذ البداية أن تستخدم صوتاً مولداً، ومع ذلك كانت تبحث عن إنسان، بل أرادت دليلاً على وجوده.

وربما سنرى هذا السؤال يتكرر أكثر في السنوات القادمة:

هل هذا الصوت حقيقي؟
هل هذه الصورة حقيقية؟
هل هذا الشخص موجود فعلاً؟

أنا أستعمل الذكاء الاصطناعي، ولا أرى مشكلة في الاستفادة منه. وفي بعض الأعمال اليومية والسريعة أراه حلاً عملياً جداً. ليس من المنطقي دائماً أن ينتقل شخص من منزله إلى الاستوديو ويسجل بضع جمل يمكن إنجازها بسرعة، خصوصاً في عصر أصبحت فيه السرعة جزءاً من طريقة عملنا.

لكن عندما يتعلق الأمر بفيلم وثائقي اشتغل عليه فريق لأشهر، أو بحكاية إنسانية، أو بعمل يراد له أن يبقى، أريد أن أسمع إنساناً.

وأعتقد أن انتشار الذكاء الاصطناعي قد يعيد إلينا، بطريقة غريبة، قيمة كنا نعتبرها عادية: قيمة الأصل.

عندما يصبح في إمكان الجميع توليد صورة جميلة وصوت جميل في دقائق، ربما لن يكون السؤال دائماً: «هل هذا جميل؟»

قد يصبح السؤال:

هل هذا حقيقي؟

ولهذا لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيقتل التعليق الصوتي.

سيغيره بالتأكيد. سيأخذ جزءاً من أعماله، وربما تختفي بسببه بعض أنواع التسجيلات التي نعرفها اليوم. وسيجبر المعلقين أيضاً على تطوير أنفسهم، لأن امتلاك صوت جميل وحده لن يكون كافياً.

أما الصوت الذي وراءه إنسان عاش التجربة، وفهم ما يقوله، ووضع شيئاً من نفسه فيما يقرأ، فأعتقد أن قيمته ستزداد كلما امتلأ العالم بالأصوات التي يمكن صنعها بضغطة زر.

فالنسخ قد تصبح كاملة يوماً ما.

لكنني، على الأقل، ما زلت أريد الأصل.